منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


من فتنة "عثمان" إلى فتنة " مرسي " - بقلم: عبدالمجيد حمدان


عبـــدالمجيـــد حمـــــدان
كاتب وباحث فلسطيني


من فتنة "عثمان" إلى فتنة " مرسي "

قلت للأصدقاء الذين طالبوني بالتعليق على ثورة يونيو – حزيران في مصر : أنتم تعرفون منهجي . أتريث . أراقب . أتحرى الوقائع . أنتظر المعطيات . أجمع المعلومات . وفي كل الأحوال ، أقاوم المغريات ، ولا أتعجل التعليق . وتابعت : هناك سبب إضافي آخر ، تواصل حلقات الحوار . وأضفت : كما تشاهدون ، تسمعون وترون ، كل يوم هناك جديد . تتكشف أسرار . تتضح أدوار . تظهر معطيات ومعلومات . تنزاح حجب . وتزداد الصورة وضوحا كل ساعة . قال واحدهم : أما هذه فنتفهمها . ومعك سنتابع وسنراقب . لكنني ، وأظن أن هناك كثيرين مثلي ، أحتاج تفسيرا لمواقف ، لأقوال وأفعال الرئيس المعزول ، وجماعة الإخوان المسلمين ، قبل وبعد هذا الزلزال العظيم الذي أطاح بهم . لماذا أطلقوا مثل تلك التصريحات ؟ لماذا أخذوا تلك المواقف ؟ الرئيس المعزول مرسي تحدث كثيرا عن الشرعية . قال : نفسي فداء للشرعية . الإخوان ينكرون أخطاءهم . يتحدثون كثيرا عن شرعية الصناديق ، وعن المشروع الإسلامي . لا يرون الجماهير ولا يسمعون مطالبها . قلت : ولكن هذه موضوعات أشبعها المحللون الإستراتيجيون ، والسياسيون والمعلقون ، بحثا وتحليلا . قال بنبرة لا تخلو من ضيق : يا أخي ، كلما استمعت لهم أكثر ، كلما غمض علي الأمر أكثر . يتراجع ما أنشده من الوضوح ، ويستغلق علي الفهم أكثر . قلت : ولماذا يحدث هذا في رأيك ؟ قال : لا أدري ، ولكن أظن أنهم يتكلمون بلغة ليست لغة الإخوان ، ويعتمدون أفكارا ومنطلقات لا يعتمدها الإخوان ، وحتى لا يعترفون ولا يؤمنون بها . قلت : مثل ماذا ؟ قال : مثل الالتزام بالديموقراطية . مستلزمات العمل السياسي ، ومناهج الأحزاب ، خصوصا حزب الحرية والعدالة . ثم مثل موضوعات الديموقراطية : المشاركة والحوار الوطني . المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين . الحريات وحقوق الإنسان وغير ذلك الكثير . قلت معك حق . فالمحللون الاستراتيجيون ، وغيرهم من المعلقين ، هم أصحاب رؤية للمستقبل . وهم حين يتناولون مواقف الإخوان ، يطبقون عليها معايير الحاضر والمستقبل ، ومنها الإيمان بالديموقراطية بكل مكوناتها . ويضعون فرضياتهم ، ويقدمون نصائحهم للإخوان ، استنادا لهذه المعايير . وهم ربما يغيب عنهم ، أو يستغلق عليهم ، أنها ليست رؤى أو منطلقات ، ولا حتى معايير الإخوان وحلفائهم . قال وقد كست البهجة ملامحه : نعم هي هذه . هي ما أبحث له عن تفسير عندك . قلت : أنت تعرف أن الإخوان وحلفاءهم أصحاب مشروع للماضي . ليست لديهم رؤيا لا للحاضر ولا للمستقبل . مشروعهم لإحياء الخلافة ، لتطبيق الشريعة ، هو مشروع العودة بالمجتمع إلى الماضي ، القريب أو البعيد لا فرق . العثماني أو الراشدي سيان . فبأي رؤى ، بأية مفاهيم ، من أية منطلقات ، بأية معايير ، يمكنهم وضع مشروع كهذا موضع التطبيق ؟ قال : أظنك تتعمد تصعيب المسألة علي . لا أفهم قصدك . قلت : أنت تعرف أن قادة الإخوان ، ومثلهم حلفاؤهم من السلفيين ، يحملون درجات عليا في علوم مختلفة . طب ، هندسة ، قانون ، اقتصاد ، علوم سياسية ، علوم طبيعية ، علوم اجتماعية وإنسانية ....الخ . وأنت ربما سمعتهم وهم يتحدثون ويخطبون ، في مجلسي الشعب والشورى ، وفي مناسبات سياسية ووطنية . فهل لاحظت شيئا في تلك الخطابات أو الأحاديث ؟ قال : من جديد لا أفهم قصدك . قلت : ألم تلاحظ أن كل استشهاداتهم ، ملاحظاتهم ، عظاتهم ، عبرهم ، حكمهم ، مثلهم ، قيمهم ، رؤاهم ، مفاهيمهم ، معاييرهم ، منطلقة ومستمدة من ذلك الماضي ؟ قال : نعم لاحظت ذلك ، ولكن في رأيك هل له معنى خاص ؟ قلت : هل لاحظت انعكاس علمهم ، وهم من أصحاب الدرجات العلمية العليا ، دكتوراه وأكثر ، و[أي شكل أو صورة ، على مفاهيمهم ، على تعابيرهم ، على أدائهم ، أي على رؤيتهم للدولة التي ينشدون ؟ قال : في الحقيقة ذلك ما احترت في فهمه ، ولم يساعدني المعلقون والمحللون على فهمه . قلت : هم كما سبق وأشرنا أصحاب مشروع العودة للماضي . فهل في ظنك سيعتمدون لتحقيق مشروعهم هذا ، رؤى ، أفكارا ، مفاهيم ، طرائق وأساليب ، آليات وأدوات ، الحاضر والمستقبل ، أم نظيراتها الخاصة بالماضي ؟ قال : لكنهم يعيشون الحاضر ، ويتمتعون بمنجزاته ، ويطلبون المزيد ، أي ينظرون إلى أمام ، إلى المستقبل . قلت : مكمن الصعوبة أنهم يريدون جعل الماضي هو المستقبل ، أو المستقبل هو الماضي ، على أن يوفر لهم غيرهم ، ويمتعهم بخيرات ومنجزات المستقبل . قال : لا أفهم . إذ كيف سيكون الماضي مستقبلا أو المستقبل إعادة نسخ للماضي ؟ قلت : تعال نستعيد معا مواقف وتعهدات للرئيس مرسي . فأنت تتذكر ، لا بد ، خطاب مرسي الأول ، في ميدان التحرير ، بعد إعلان فوزه . ذلك الخطاب الذي فتح فيه صدره ، معلنا أنه لا يلبس واقيا من الرصاص . قال : نعم أذكر ذلك . قلت : في ذلك الخطاب قال ما هو عظيم الدلالة ، وهي ما لم ينتبه المحللون الاستراتيجيون لها . استرشد بأبي بكر ، أول خليفة للمسلمين ، حين أعلن أنه يستمد شرعيته من هذه الجماهير ، من رضاها عن عمله ، ومن ثقتها في إخلاصه . وطالبها ، اقتداء بأبي بكر ، بعدم طاعته إن لم يطع الله فيهم . وبأن يعينوه إن أحسن ، وأن يقوموه إن أخطأ . قال : نعم سمعت هذا وأعجبني . فعلى ماذا يدل ذلك في رأيك ؟ قلت : ليس المهم أن مرسي والإخوان يتصورون أن البشرية ، والمسلمون منها ، أصابها العقم من بعد أبي بكر ، وأن الديموقراطية وتجاربها وثرائها وتراثها الجامع ، ما زالت دون مستوى مقولة أبي بكر تلك . المهم كان الاستشهاد بذلك الماضي ، كما ظهرت وبانت علائمه فيما بعد ، بالغ الدلالة فيما أرى . قال : لا أفهم قصدك ، لأنني لم أر آنذاك ، وما زلت لا أرى عيبا في ذلك الاستشهاد . أليس اللجوء للتراث ، كما في هذه الحالة ، مطلبا لنا ؟ قلت : ذلك صحيح . ولكن مرسي بعدها ، رد في مقابلة تلفزيونية ، عما سيكون موقفه إذا خرج مليون متظاهر يطالبونه بالتنحي ، قائلا : إذا خرج عشرة وليس مليونا ، سأستجيب لطلبهم وأتنحى . ثم خرجت ملايين ، وفي كل ميادين مصر ، تطالبه بالرحيل ، فرد بما أسماه الدفاع عن الشرعية ، وأن نفسه فداء لهذه الشرعية . وأكثر حين طالبه مقربوه ، ومنهم قائد الجيش ، بالاستجابة لمطلب الجماهير ، رد : على جثتي . المحللون وصفوا ذلك بأنه تنكر لاستشهاده بأبي بكر . وبأنه تأثير وفعل الكرسي . فهل كان ذلك التحليل صحيحا ؟ قال : أظن ذلك . لكن لو أنني قبلته لزالت حيرتي ، ولما لجأت إليك . قلت : في الحقيقة لم يتنكر مرسي لأبي بكر ، ولا لتعهده ذاك أمام الجماهير . ولم يحنث بوعوده كما قيل . والذين قالوا بذلك لم يتابعوا ، على ما يبدو ، مسيرة قاعدة أبي بكر تلك . قال متنبها ومنتبها : وكيف ذلك ؟

فتنة عثمان:
قلت : لم يسعف الوقت أبا بكر لاختبار التزامه بقاعدته تلك . انخرط فور توليه في حروب الردة ، وحيث تطلب الحال حزما وشدة ، تمثلا في توجيهات حاسمة ، وأوامر حازمة ، قاطعة ، باترة لقادته . وجاء عمر ومهمات بناء الدولة ، التي تطلبت هي الأخرى ، إلى جانب العدل ، حزما وعزما وحسما غير معهود . وقد وصف عثمان حزم عمر ، في خطبة يعاتب فيها المحتجين عليه قائلا : "ألا فقد عِبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله ، ولكنه وطئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم ، ولِنتُ لكم وأوطأتكم كتفي ، وكففت عنكم يدي ولساني فاجترأتم علي " . ثم وفي مقارنة بين عشيرته ، بني أمية ، وعشيرة عمر ، بني عدي ، والاحتماء بهما قال : " أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا ، وأكثر عددا وأحرى إن قلت هلم أُتي إلي " . عبقرية عثمان ، عباس العقاد ، ص71 .

ونحن نعرف أن عثمان تعهد ، حين تعادل مع علي / بصوتين لكل منهما ، من مجموع المصوتين الخمسة ، وهذا ما رجح كفته على علي ، باقتفاء سيرة سلفيه ، أبي بكر وعمر ، وبديهي بقاعدة أبي بكر . وفي النصف الأول من خلافته ، ست سنوات ، أوفى بعهده ذاك . لكنه في النصف الثاني أخذ يتحلل ، وتدريجيا ، من ذلك الالتزام ، وفي المقدمة من تلك القاعدة . والسؤال الآن : لماذا وكيف فعل ذلك ؟

إنه الملك :
سجل لنا التراث أن عثمان ، وعقب توليه الخلافة ، نصحه أبو سفيان بحصر الملك في قومه بني أمية . قال أبو سفيان : "والله ما أعرف ما جنة وما نار ، ولكنه الملك فأدره في قومك كما تدار الكرة". ويقال أن عثمان نهره . ومضت نصف الخلافة وعثمان يتجاهل هذه النصيحة . لكن النصف الثاني شهد تطبيقا حرفيا لها من خلال خطوتين . الأولى تمكين بني أمية من مفاصل الدولة – توليتهم قيادة الأمصار والجيوش - . والثانية من خلال الاستئثار بفوائض الخراج – أموال الدولة – وخص أقاربه بهذه الفوائض .

أثارت خطوات عثمان الصحابة . أخذوا في نقده ، ومحاولة تقويمه ، عملا بقاعدة أبي بكر . لكنه أخذ في المقابل يضيق ذرعا بهم وبها . وانتهى الحال إلى قمع معارضيه . بداية سحل الصحابي عبد الله بن مسعود ، وفي الشارع ، وأصابه بكسور ، بسبب اعتراضه على الطريقة التي تم بها جمع القرآن ، ورفضه تسليم نسخة قرآنه وحرقها . ومات ابن مسعود مخاصما لعثمان ، وموصيا بأن لا يصلي عثمان عليه ، وبأن لا يسير في جنازته . وعن منتقديه وصل به الحال حد الانتقال من عنف اللسان إلى العنف الجسدي . ضربهم في المسجد ، وإلى حد مشاركته شخصيا في ضرب الصحابي عمار بن ياسر وكسر ضلوعه ، ونفي أبي ذر الغفاري إلى الربذة - مكان منعزل ونائي على طريق القوافل إلى العراق -.

ولأن عثمان واصل سياسة تمكين أقاربه من الحكم ، والاستئثار بفوائض الخراج ، تصاعد النقد له ، رغم تصاعد وتائر العنف لقمعه . ووصل الحال حد وقوف بيت النبي ضده ، باستثناء أم المؤمنين ، أم حبيبة ، ابنة أبي سفيان ، ومخاصمة عبد الرحمن بن عوف ، صاحب خدعة تقديمه على علي ، وموت ابن عوف مخاصما له . وإلى حد أن دأبت عائشة على الظهور من نافذة حجرتها ، المطلة على منبر مسجد النبي ، تقاطع خطبته قائلة : " هذا قميص – وفي رواية نعل - محمد لم يبل بعد وأبليت سنته " . ثم لتتلو كل ذلك بالتحريض على قتله بقولها :" لعن الله نعثلا . اقتلوا نعثلا فقد كفر " . والنعثل هو الرجل الهرم الذي أصابه الخرف .

لكن عثمان لم يتراجع عن المضي في تطبيق سياسته ، القائمة على تمكين بني قومه ، ولتتسع حلقات المعترضين عليها يوما بعد يوم ، حتى غدت المدينة كلها ، بمهاجريها وأنصارها ، عدا بني قومه ، وحفنة من المستفيدين ، ضده . ولأنه شعر بضعف موقفه قبل بالتحاور ، والتفاوض مع منتقديه . وتعددت الحوارات ، والاعتراف بالأخطاء ، والتعهد بالتراجع عنها ، وبالتصحيح ، ثم بنقض العهود والاتفاقات . وحدث كل ذلك قبل انتقال التذمر إلى الأمصار ، وتصاعده حد إرسال البعثات ، مستغلة موسم الحج ، للعثور على حلول .

بوصول هذه البعثات – ثوار الأمصار – بدأ تصاعد الأزمة يأخذ منحى مختلفا . تصاعدت المواجهات داخل المسجد . وعجز عثمان عن مواصلة استخدام العنف . وكثرت الوساطات وإقرار عثمان بالأخطاء ، والوعود والتعهد بالإصلاح ، ثم نقض الوعود ، رغم تنازلات هنا وهناك – عزل والي الكوفة مثلا - . وكما في مثل هذه الحالات ، أخذ سقف المطالب في الارتفاع ، وإلى حد مطالبة الخليفة بالتنحي . وتمترس عثمان حول الرفض ، محتميا بالشرعية ، شرعية انتخابه التي عزاها إلى إرادة الله . ظل يرد : " لا والله لا أخلع قميصا قمصنيه الله " . ولإجباره على التنحي منعه الثائرون من إمامة الصلاة . أعقبوها ، حين لم تجدي بمنعه من مغادرة بيته ، ثم منع وصول الطعام ، وأخيرا الماء . وامتد الحصار وطال ، وعثمان ، بدعوى الحفاظ على الشرعية ، يواصل رفض الاستجابة لمطلب التنحي . وانتهى الأمر ، كما هو معروف بقتله ، المخرج الوحيد المتبقي كما رآه الثوار .

نصف الكأس الآخر :
قال ، وكان في متابعته للسرد بادي التيقظ ، وتعلو وجهه علائم الانبهار : كنت وأن أتابع السرد ، أقارن بين خطوات مرسي ، منذ بداية الأزمة ، وتلك التي اتبعها عثمان . وأصدقك القول ، لم تخطر هذه المقارنة على بالي ، رغم معرفتي بقصة عثمان ، ربما ليس بهذه التفاصيل . وما أدهشني ، بل وبهرني ، أن مرسي ، وكأنه قصد ذلك ، مشاها خطوة خطوة . وذلك ، وهو الذي ما زال يحيرني ، رغم معرفة مرسي بانتهاء القصة بمأساة قتل عثمان . قلت : كان ذلك نصف الكأس كما يقال . فما عرف بفتنة عثمان لم تنته بقتله . بل يمكن القول بأنها بدأت بقتله . وأوجه الشبه بين ما وقع بعد عزل مرسي ، وما سبق ووقع بعد مقتل عثمان ، كثيرا ما تبلغ حد التطابق . وهذا مؤشر آخر ، وأكثر وضوحا ، على أن مرسي وجماعة الإخوان ، لا علاقة لهم برؤى العصر ، بأفكاره ومفاهيمه وأساليبه وأدواته ، وإنما هم ملتصقون برؤى ومفاهيم وأفكار وأساليب وأدوات الماضي . اتسعت حدقتا صديقي ، وخرج صوته مدعما بكل حواسه : ولكن كيف ؟
قلت انتهت مأساة عثمان بمقتله . ولكن الفتنة تواصلت وتصاعدت . وتذكر أن الهدف ، فجوهر الصراع ، كان استعادة الحكم للأهل والعشيرة ، بني أمية . وأضفت : أجمع الصحابة والثوار على علي خليفة للمسلمين . إجماع لم يحظ به من سبقوه . وعلى نقيض سابقيه ، رفض علي الضغط على من لم يبايعوه . ترك لهم الحرية ما داموا لا يلجأون إلى السلاح . بالطبع رفض بنو أمية ، وغيرهم من الأهل والعشيرة المبايعة . رفعوا شعار الثأر لدم عثمان ، والقصاص من قتلته . شككوا في شرعية علي بادعاء أن علي هو من قاد الثورة ، ومن اعتدى على الشرعية ، وانقلب عليها بقتل عثمان . لم يرفعوا في البداية شعار استعادة الخلافة . مجموعة أم المؤمنين عائشة ، ومعها المبشرين بالجنة ، الزبير وطلحة ، هي من رفعت شعار المطالبة بالخلافة ، وبسببها انتقلت إلى العراق وإلى المعارضة المسلحة . اضطر علي للانتقال إلى العراق والمواجهة مع هذه الجماعة . وفي معارك البصرة والجمل سقط آلاف من الصحابة . الأمويون وقفوا منتظرين إنهاك الخصمين ، ثم بعد أن دانت الأمور لعلي في العراق ، انتقلوا من شعار الثأر لدم عثمان إلى مطالبة معاوية بن أبي سفيان باستعادة الخلافة ، التي ، حسب رأيهم ، اغتصبها علي بقتل عثمان . ودار صراع دموي طويل – ست سنوات - انتهى بقتل علي وبعودة الخلافة للاستقرار في بني أمية . صراع سقط فيه آلاف من الصحابة الذين انقسموا بين الطرفين ، وعشرات الآلاف من المسلمين ، مع توقف كامل للفتوحات ، ونشر الدعوة الإسلامية . واستقر ملك بني أمية في دمشق قرابة القرن ، وفي الأندلس قرون عدة . انتقل الملك بعدها إلى العباسيين ، ومن دمشق إلى بغداد . العباسيون الذين قامت ثورتهم على أساس استعادة الشرعية التي اغتصبها الأمويون من آل البيت . ويلفت الانتباه أن فتاوى شرعنة الصراع استندت إلى تكفير كل طرف فيه للطرف الآخر . وأكثر من ذلك وعلى مدار الخلافة الأموية ، واظب أئمة المساجد على لعن علي وآل بيته ، وترديد جموع المؤمنين آمين وراءهم . كما انبرى عدد من الصحابة والتابعين ، وأصحاب الفتيا ، بإيراد أحاديث عن النبي تبرر اغتصاب معاوية للخلافة .

فتنة مرسي
قال الصديق : كنت ، وأنا أتابعك ، مشغولا بالمقارنة بين الخطوات التي تطبقها جماعة الإخوان ، ابتداء بتجمع رابعة العدوية ، وتلك التي وقعت بعد مقتل عثمان . وفي الحقيقة يذهلني هذا التطابق بين الحالتين . وأكاد لا أصدق وأنا أتساءل : هل معقول أن الإخوان يعتقدون بإمكانية استعادة ما يصفونه بالشرعية ، حتى لو طال الصراع سنينا ، وجرى الدم أنهارا ، كما حدث بعد فتنة عثمان ؟ قلت : ألم تقرأ تصريح مرسي بعد عزله ، التصريح الذي يقول فيه :" لن تتحرك الجماهير لنصرتي إلا إذا سال دمي "؟ قال : نعم قرأته ، وهو ما يدعوني أن لا أصدق ما يحدث أمامي ، وكأنه نقل حرفي لما وقع في الماضي . وهو أيضا ما يدعوني لأن أتساءل : هل معقول أن أناسا يعيشون في القرن الحادي والعشرين يفكرون بعقلية القرن السابع ، ويتبعون ما وقع فيه ، ويطبقونه بندا بندا وخطوة وراء خطوة ؟ قلت : وهل تعتقد أن أناسا يريدون العودة إلى القرن السابع ، سيستخدمون في هذه العودة أفكار ومناهج القرن الحادي والعشرين ؟ قال : ولكن هم في الواقع يعيشون في القرن الحادي والعشرين . فكيف يحدث لهم هذا الانفصال عن واقعهم ؟ قلت : دعك من مظهرهم الخارجي ، واستخدامهم لوسائل العيش الحديثة ، لأعيد عليك السؤال : هل تلمح من حديثهم ، خطابهم ، وهم حملة شهادات عليا ، أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين ، ويتفاعلون مع أفكاره ومنجزاته ؟ قال : كما أجبتك سابقا ، لا، لا ألمح ذلك ، وهو ما يدهشني ويحيرني . إذ كيف يمكن لشخص سوي أن ينزع نفسه من واقعه ، ويصور لنفسه ، ويعيش فعلا في واقع مضى ولن يعود ؟ قلت : ها أنت قلتها ، شخص سوي ، جماعة سوية ، فهل مرسي والإخوان ، وجماعات السلفيين ، في الحقيقة هم أشخاص أسوياء ، أم مرضى يحتاجون إلى علاج ؟ علاج يخرجهم من عالم وهمي ، عالم الخرافة والأسطورة ، ويضعهم على أرض الواقع ؟ قال : ما زلت لا أصدق . ذلك ما لا يستوعبه عقلي ، صعب على فهمي ، ولأكرر السؤال المحير : هل ذلك معقول ؟ قلت : وكيف تفسر أن أهل السنة ، والإخوان على رأسهم الآن ، قدسوا كل هؤلاء الذين كفروا بعضهم ، وتقاتلوا من أجل الملك ، وتسببوا في كل سيول الدم تلك ، وأورثوا أجيالا وراء أجيال ، حتى وصلنا الأمر ، وسيصل غيرنا بعدنا ، كيف قدسوا كل هؤلاء وفي المقدمة منهم عثمان وعلي ؟ قال : في الحقيقة هذا أمر آخر محير ، ولكنني أستعيد قول ذلك الفيلسوف : حين يقع الحدث التاريخي أول مرة يقع على شكل مأساة ، ولكنه حين يعود ويتكرر يعود في صورة مهزلة . وحين يعود على يد الإخوان فيا لها من مهزلة . قلت : أظن أن كارل ماركس هو ذلك الفيلسوف .

29/7/2013







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل حققت المقاومة إنتصاراً في غزة على الإحتلال؟
نعم
لا
لا أعرف