منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


مواطنة نص كم - بقلم: سلام حمدان

مواطنة نص كم

الكاتبة: سلام حمدان

للمرة الثانية على التوالي، وفي ظرف شهر واحد، الشهر الاول من عام 2010 (نهاية العقد الاول من الالفية الثانية) أقف مذهولة على باب السلطات التنفيذية، في بلدي.

" لن تقبل معاملتك دون توكيل من الوالد". "لا يمكن استصدارجواز سفر فلسطيني لأبنتك دون اذن-توكيل رسمي من الوالد".  "ولكن الوالد أجنبي وخارج البلد"، قلت وأنا ابذل مجهودا حقيقيا لكبح جماح غضبي. ابتسمت لي الموظفة قائلة: " اذا، ربما توكيل من عمها". "ولكن عمها أيضا اجنبي وفي الخارج". "وماذا عن جدها؟" " جدها كذلك، اضافة الى كونه أمّي، لا يقرا ولا يكتب". التفتت الموظفة الى زميلها المجاور ومدت يدها وقوست حاجبيها في اشارة تساؤل :"ما العمل؟". التفت الموظف –الأكثر علما ب "القانون"- صوبي وقال بآلية: " الوالد او العم او الجد، وغير ذلك غير ممكن". "ولكن كل ذكور العائلة، أصحاب القرار، غير متوفرين، هذا اضافة الى كونهم اجانب ولا يحملون الجنسية الفلسطينية، بخلافي انا المواطنة قانونيا وجينيا!" قلت وقد تغلبّ ألم الكبرياء عندي على رغبتي الصادقة بكبح غضبي المتصاعد.

تناول الموظف أوراقي من زميلته ودقق النظر مجددا. هّز رأسة في أشارة نفي وقال بصوت عال لكن بايقاع بطيء، في محاولة لافهامي، على ما يبدو: "على الأب استخراج ورقة من كاتب العدل وتصديقها في السفارة الفلسطينية وارسالها بالبريد. ولن يجدي شيئا غير ذلك، الا اذا توفرت مساعدة العم او الجد".  "ولكنني على عجلة من امري. فأبنتي ستسافر مع المدرسة في مهمة الى الأمم المتحدة وتحتاج الى فيزا في أسرع وقت ممكن، وهذا مستحيل بدون جواز السفر. لا وقت لما تقول"، قلت ذلك بانفعال وآضح وصيغة رجاء، ظنا مني أن الاشارة الى "مهمة" ابنتي الصغيرة في تمثيل بلدها في الأمم المتحدة ضمن برنامج "النموذج الشبابي للأمم المتحدة" سيشكل اضافة نوعية لتصريح فلسطيني بتوكيل الأم لاستصدار جواز سفر، هذه المرة دون الرجوع الى الأب –مصدر السلطات الأعلى في العائلة- . ولكن أنّى لي من الأوهام، فالواقع على الأرض أشد مضاضة من الاحتلال نفسه. فمن الطبيعي والمتوقع أن يصنفني الاحتلال في مرتبة المواطنة من الدرجة الثانية، فهو احتلال واعتداء غير شرعي وغير اخلاقي، في نهاية الامر، لكن تقنين أهليتي القانونية، وتصنيفي مواطنة "نص كم" من برلمان بلدي، الجهة الأوسع شرعية واهلية للنطق باسمي وتولي قضيتي، شيء يصعب احتماله، بل لايصّدق ولا يطاق.

"لماذا لا تكفي الأم؟" تساءلت مجددا، بصوت اعلى وتيرة هذه المرة، وقد اوشكت فعلا على الانفجار غضبا،قهرا،مرارة،حسرة،…
"حماية للأبناء" جاءني الرد باردا،قاطعا، وموجعا مثل صفعة حانقة.
حماية الأبناء من أمهم؟؟! أي منطق مجنون هذا؟

أم هي حماية لسلطة الرجل المطلقة؟ لماذا لا يحتاج الأب توكيل من الام أيضا، ان كان الامر فعل حماية فعلا؟ لماذا يكفي العم، أو حتى الجد، دون الأم؟ كيف لا يكون الرحم الذي حمل الحياة وأنجبها وحوّطها بكل سبل العناية، الأكثر حرصا وامانا؟ هذا حتى مناف لفعل الطبيعه ذاتها.

لا بد ان موظفي الدائرة معتادون تماما على رد الفعل الغاضب هذا، فالأجوبة تبدو آلية مكرورة. هناك أيضا بعض التعاطف المغلف بعبارة: "مع كل أسف، هذا هو القانون وعلينا تنفيذه".

مدّ الموظف مغلفي الانيق لي من الشباك: "هي ذي اوراقك، أحضري توكيل الأب وسوف نبذل جهدنا لتسريع اجراءات استصدار الجواز". حدقت في الطابع ذو ال 220 شيكل. في صورة ابنتي المتلهفة. الصبا والثقة في العيون والرنو الى المستقبل. في الشباب المبكر نعتقد جازمين اننا نملك العالم ونسيطر على اقدارنا. مثل "الدون كيشوت" نمتشق سيفنا ونتأهب للقتال. لا معيق لنا سوى الاحتلال! وربما "الامبريالية" العالمية!؟

عذرا يا أبنتي، فأنا لا أمتلك أهلية قانونية-انسانية لمد يد العون. لست مؤهلة كفاية لتولي مصالحك، وقد أشكل خطرا عليك. من يدري، قد أجّن فجأة، أو تتغلب عندي العاطفة الساذجة، الخلو من كل عقل!

خرجت الى الشارع أجر أذيال الخيبة. ألملم خطوي الثقيل، أشد معطفي الّي وانظر الى ظلي المنكمش على الرصيف.
لا شيء يصف اللحظة. لا غضب أشد. لا قهر أشد.
لم يصدفني هذا الوجع ولا حتى على "محاسيم" الاحتلال، الكثيرة. ذاك عدوي لا منفذ له الى قهري وتصغيري!

الجو مكفّهر وكئيب. السماء موصدة. ولا مطر..
على الأرصفة نساء كثر، منكمشات مثلي، ورجال يخطرون بثقة وصخب.

فجأة تبادر الى ذهني خاطر مجنون: ف "الشارع ليس لي". "الرصيف ليس لي". "المؤسسة ليست لي". "القانون ليس لي"، "برلمان بلدي ليس لي".
"أولادي ليسوا لي".
"وطني ليس لي".
"اسمي ليس لي"

كما وأوشكت على الصراخ، كما فعل شاعرنا الكبير محمود درويش، رحمه الله، من علو منصته –على اختلاف السياق ربما- : "أنا لست لي، أنا لست لي".

1/2/2010







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية