منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


المشهد الفلسطيني الجديد - بقلم: د. عبد المجيد سويلم

المشهد الفلسطيني الجديد

الكاتب: د. عبد المجيد سويلم

المشهد السياسي الفلسطيني اليوم يحمل في طياته بذوراً خصبة وربما ثمراً وفيراً. لكن الموسم بكامله سيحتاج على ما يبدو لكثير من الحرث والعزق والاستصلاح وبناء الجدران الاستنادية وسنحتاج على ما يبدو للكثير من فراسة قراءة المناخ وتقلبات الطقس وأحوال الماء والتربة الصالحة والمواعيد المناسبة للقطاف. بعضنا على عجلة من أمره ويريدنا ان نحصد قبل ان نزرع وأن نزرع قبل ان نحرث، وأن نحرث قبل أن "نعزّل" ونسهمد ونسمد وهذا كله غير ممكن وهو إن أمكن فلن يؤدي الا الى المعادلة المعروفة "اختلاف حسابات الحقل عن حسابات البيدر".

ما يتم الحديث عنه حول المعركة السياسية التي ننوي خوض غمارها على الصعيد الدبلوماسي والتي هي معركة سياسية بامتياز ومصيرية ووجودية وعلى اعلى درجات الاهمية والحساسية تحتاج الى ترتيب الزرع والحصاد.
المعركة التي نمر بها اليوم معركة فاصلة بين مرحلتين، لأنها تفصل مرحلة الركون وأحياناً يمكن ان نسميه الارتهان للمفاوضات وما يمكن ان يتمخض عنها من "حقوق" وطنية وبين مرحلة البحث عن الوسائل الكفيلة بتغيير اتجاه هذا التفاوض واعادة بنائه على أسس جديدة من حيث المرجعية ومن حيث المضمون ومن حيث الهدف النهائي ايضاً.

نحن نعيش اليوم بداية مرحلة تصويب المسار التفاوضي ووضعه في الاطار الذي يكفل لنا النتائج المرجوة والمتوخاة اذا ما اقترن بالروافع الشعبية والتنظيمية والادارية والتنموية المطلوبة، واذا ما خضنا هذه المعركة موحدين ومتماسكين ومخلصين لأهدافنا الوطنية. اليوم نحن نحاول ان ننقل حقوقنا المشروعة من الطاولة الثنائية الى الطاولة المتعددة وفي هذا (او سيكون في هذا) دعم وإسناد لقضيتنا اكبر بكثير وبما لا يقاس بالدعم والاسناد الذي لقيناه حتى اليوم. هذا الانتقال سيخفف كثيراً من تأثير التوازن المختل في معادلة التفاوض.

ان إقحام الامم المتحدة والتجمعات الدولية والاقليمية وما تمثله من شرعية دولية للتعاطي المباشر والتدخل المباشر في موضوعات التفاوض وفي مضامينها وأهدافها يحول عملية التفاوض المفترضة او القادمة سواء اليوم او غداً وسواء مع هذه الحكومة الاسرائيلية أم غيرها الى عملية مختلفة نوعياً عن التفاوض الذي ساد طوال السنوات الماضية. سيكون للتفاوض الجديد الديناميكيات التي تعطي للحقوق الفلسطينية أبعاداً مختلفة عن الأبعاد التي اتخذتها حتى الآن.

في المفاوضات الثنائية كانت اسرائيل وما زالت تتعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها احتياجات وهي لم تقر ابداً بهذه الحقوق. ان نقل التفاوض من الحالة الثنائية الى الدولية والمتعددة معناه اعادة تثبيت هذه الحقوق ومعناه استعادة الجزء الاكبر من المساحة التي فقدناها او التي تآكلت على مدى اكثر من خمس عشرة سنة من التفاوض الثنائي، مع ادراكنا ان هذا التآكل ما كان ليحصل ابداً وبهذه الصورة لو انتبهنا الى ذلك.

ان استعادة هذه المساحة هي تصويب جوهري وتعديل استراتيجي من مسار العملية السلمية وهي مساحة مقتطعة من مساحة العدوانية والتوسعية الاسرائيلية.

العودة الى الشرعية الدولية يلغي موضوعياً كل الأطماع الاسرائيلية ويحصرها في اضيق الحدود، ويلغي اهدافها بتغيير المرجعيات التي ما زالت تعمل عليها. اسرائيل تعرف تماماً ان ميزان القوى المختل لصالحها لن يكون له الاهمية التي ينطوي عليها اليوم وفي سياق التفاوض النهائي في حالة العودة لاعتماد الشرعية الدولية كمرجعية وحيدة لعملية السلام.

العودة الى المجتمع الدولي معناه وضع هذا المجتمع أمام مسؤولياته المباشرة، ومعناه ان المطلوب هو بلورة إرادة سياسية موحدة لهذا المجتمع، ومعناه ان هذه الإرادة السياسية تحولت الى ادوات ووسائل والى سياسات والى ضغوطات والى اجراءات، ذلك ان قرارات الشرعية الدولية هي قرارات هذا المجتمع وهي في الاغلب إما صادرة عنه مباشرة او هو داعم ومساند لها.

إصرار اسرائيل على المفاوضات الثنائية والقبول بالولايات المتحدة فقط ودون اي شريك ولا حتى معاون اذا لم يكن في جيب اميركا واسرائيل، ان هذا الاصرار كان يرمي من بين ما يرمي اليه الى حصر مرجعية عملية السلام بواقع التوازن القائم على الارض وكان التفرد الاميركي في الاشراف والرعاية الوحيدة هو مطلب مشترك ومصلحة مشتركة بين اسرائيل واميركا، ولم يكن لنا أية مصلحة فعلية فيه.

لقد كادت اسرائيل في مراحل معينة ان تحول مرجعية عملية السلام الى ما يتم فرضه على الفلسطينيين او ما يتم قبوله من الفلسطينيين تحت الحصار والضغط ومع استمرار الاستيطان وبناء الجدار والتهويد والعزل وتقطيع الاوصال.

الذهاب الى الامم المتحدة معناه ان الولايات المتحدة اصبحت مطالبة بتبرير تفردها وأصبحت مطالبة إما بالتنحي عن هذا الدور والتسليم بالدور الجديد للمجتمع الدولي او بتغيير سياستها بالانحياز الاعمى لإسرائيل.

هذا هو معنى الذهاب الى الامم المتحدة. انها ببساطة نقلة نوعية وخطوة لها وقع الاختراق ولها اهمية استعادة الوعي، ولها من الأبعاد ما يقلق اسرائيل بل ويرعبها، وهي خطوة ستحدث تغيراً في دور المجتمع الدولي وفي دور ومكانة مراكز الثقل والقوى في هذا المجتمع.

مسؤولية المجتمع الدولي ستبقى غامضة وغير محددة وغير فاعلة طالما ان هذا المجتمع لم يتم وضعه أمام مسؤولياته.
المجتمع الدولي ظل "مرتاحاً" في الابتعاد عن دوره المفترض، وظل مرتاحاً على تقديم الدعم المالي، وارتضى لنفسه هذا الدور لأننا لم نضعه أمام مسؤولياته الاكبر ولم نضعه أمام التحدي الاهم.

المسألة الجوهرية هنا ليس ما سنطلبه اليوم او سنطلبه غداً من الامم المتحدة - على اهمية ذلك - وإنما اولاً وقبل كل شيء هو اننا بدأنا طريقاً وطريقاً صحيحاً ويجب أن نكمل هذا الطريق.

انه طريق تصويب المسار التفاوضي وطريق استعادة زمام المبادرة وطريق تطويق السياسة التوسعية والعنصرية والعدوانية في اسرائيل.
المطلوب اليوم ليس اعلان الدولة وإنما تأكيد الحق الفلسطيني بإقامة الدولة على أرضنا بحدود الرابع من حزيران باعتبارها اراضي محتلة وليست اراضي متنازعاً عليها.

اذا اردنا ان نجرد اسرائيل من الوسائل التي تبحث عنها للتهرب من استحقاقات نقل ملفات وموضوعات الصراع الى أروقة الامم المتحدة لا بد ان ندرك بأن حق اقامة الدولة ليس هو الموضوع وإنما حق اقامة الدولة على حدود الدولة المحددة بالرابع من حزيران. هذه هي المسألة، وهذا هو الموضوع وعلى قاعدة الشرعية الدولية طبعاً. هذا فرق مهم وكبير وهذا الفرق بالذات سيحول الاراضي الفلسطينية من متنازع عليها الى اراض محتلة يعود للشعب الفلسطيني الحق الكامل بممارسة حق تقرير المصير عليها. هنا سيتحول الجدار الى موضوع للملاحقة. وهنا سيتحول الاستيطان الى موضوع للإزالة وهنا ستتحول الاجراءات الاسرائيلية بالحصار والتهويد الى جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.

هذه معركة جديدة من شأن حسن ادارة خوضها ان يقلب كل الموازين وكل المعادلات وهذه معركة طويلة لسنا الا في بدايتها وهي معركة صعبة لأننا نقوم بتغيير كبير في دورنا وفي أدوار المجتمع الدولي وفي أدوار مختلف اطراف المعادلة على المستويات الرسمية والشعبية وعلى المستويات الوطنية والاقليمية والدولية.

هذه معركة تحتاج الى ادارة وتحتاج الى تنظيم وتحتاج الى حشد طاقات وموارد وتحتاج الى تماسك ووحدة راسخة. هذه معركة لن نجني ثمارها طالما نحن على هذه الدرجة من الانقسام وعلى هذه الدرجة من الهشاشة الداخلية. هذه معركة تلقي بمسؤوليات كبيرة على مؤسسة الرئاسة وعلى الحكومة وعلى الفصائل الوطنية.

هذه معركة ستعري اصحاب الاجندات الخاصة وأصحاب المصالح الضيقة وهذه معركة ستكشف درجة الاخلاص ومشاكل الفوضى والتقصير وحدود الامكانيات، وهي معركة فاصلة في تحديد القدرات والإحجام والقدرة على الفعل والتأثير.

المهم ان ننظر الى هذه المعركة باعتبارها تحولاً استراتيجياً في مواجهة الاحتلال. المهم ان لا نعتبر هذا التحول مجرد استدارة تكتيكية او تعبيراً عن حالة شعور باليأس والإحباط وإنما طريق جديد لمرحلة جديدة.

19/11/2009







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية