منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


انتقام من الموت ومن سياسات الظلم الاجتماعي - بقلم: سعيـــد مضيـــة


انتقام من الموت ومن سياسات الظلم الاجتماعي

حيث يشيع التعفن وصمت الخواء يسطو الموت على ا قوى الأرواح وألمع العقول، مستعينا بالمرض الخبيث؛ ثم يمضي  مختالا معربدا مثل جيوش الغزو الجرارة أو طائرات الفانتوم تلقي حمولتها من ارتفاع شاهق لا تطاله الحواس البشرية، فليس له سوى الأدب يسخر منه ويقزمه من منظور الإبداع ألأقوى والأعز. .

1- الياس خوري في معنى الرثاء
....نحن نتعامل مع الكتاب الغائبين في وصفهم أحياء. وتذكرت أنني في احدي الندوات سئلت عن اثر موت ادوارد سعيد، فقلت إن الرجل لم يمت إلا مجازا؛ وإنني حين اشتاق إليه، وهذا يحصل في شكل دائم، افتح احد كتبه وأحاوره.............
تذكرت أيام سعدالله ونوس الأخيرة، وتذكرت فيلم عمر اميرالاي عندما كان ونوس علي حافة الموت يروي عن جرحه وجرحنا الفلسطيني، وسمعت صوته وهو يقول إن الإنسان لا يموت بل يتحول زهورا وأشجارا. ومنذ ذلك اليوم اختلفت علاقتي بالأزهار والنباتات، صارت أشبه بأرواح الموتى وأجسادهم وعقولهم.

المعري كان علي حق حين كتب:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
سر ان اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد .

لكن ونوس صاغها بطريقة مختلفة وأكثر قدرة علي مخاطبة أرواحنا الهشة، تحدث عن الأشجار والزهور، بحيث صار الهواء الذي نتنشقه جزءا من عبير الراحلين.
هذا هو عطر الجنة، هذا ما يصنعه كل يوم أطفال فلسطين، اليوم فهمت لماذا يقطع الإسرائيليون أشجار الزيتون ويجرفون الأراضي المزروعة، لأنهم يخافون من أرواح الموتى التي صارت أشجارا وتسلقت الأشجار.

2- الدكتور محمد سيد سعيد في انتقام التاريخ من سياسات الظلم الاجتماعي
تجوب جيوش صغيرة من الأطفال والشباب مختلف الأنحاء هاربة من تعقب الجيوش الرسمية أو باحثة عن منصة هجوم علي مؤخراته وأحيانا علي قواته الرئيسية‏.‏ وأحيانا ما تنزل من الجبال باحثة عن طعام وشراب ومال في المناطق الريفية الفقيرة حولها فتنشر الرعب بين السكان‏.‏ في الماضي كان هؤلاء الأطفال والشباب يجوبون شوارع المدن الرئيسية للتنزه والفرجة والتسلية‏.‏ أغلبهم جاءوا من الأرياف مدفوعين بقسوة البطالة والفقر بحثا عن عمل ولم يكونوا يجدونه‏,‏ بسبب الركود في ظل الرأسمالية الخربة التي سادت إفريقيا ومناطق واسعة من جنوب آسيا والكاريبي وغيرها من أشد مناطق العالم فقرا خلال الثمانينيات‏,‏ وعندما توفر لآحاد ا لناس أو لمنظمات صغيرة فرصة الحصول علي المال وشيء من التدريب العسكري كان من السهل عليها أن تجند أعدادا كبيرة جدا من هؤلاء الأطفال والشباب‏,‏ الذين تحولوا الي محاربين دون أن يتلقوا أبسط صور التعليم والتثقيف السياسي أو أبسط أخلاقيات الجندية‏.‏ ولكن هناك نمطا آخر تكون بالذات في العالم العربي بفضل عاملين رئيسيين فأولا ولدت التيارات والتنظيمات الإسلامية خلال عقد السبعينيات متوحشة وبالغة العنف والفظاظة ويبدو أنها رضعت مزيدا من التوحش في الجبال الأفغانية‏,‏ ثم أشاعت التوحش في صفوف نفس الفئات من الأطفال والشباب العاطل والفقير الذي نجحت في تجنيده ببساطة مذهلة‏,‏ وثانيا بدت هذه التنظيمات أكثر اقتدارا من الناحية المالية والتنظيمية عن مثيلاتها في إفريقيا والكاريبي وتمكنت بالتالي من تكوين جيوش أكثر تنظيما وطاعة للقيادات السياسية‏,‏ وان احتفظت بقدر كبير من العنف العشوائي والسياسي القابل للانفجار في أية لحظة‏.‏

وتباينت درجات الانضباط تبعا لقوة الشخصية والثقافة السياسية والدينية التي تلقتها القيادات العليا والوسيطة‏,‏ ففي الحالة الأفضل علي الإطلاق وهي حزب الله اتسم الأداء بقدر عال من ضبط النفس والشعور بالرسالة ودقة الحركة والتخطيط فيما يمثل تجربة عربية أقرب ما تكون الي تجارب حركات التحرر الوطني في جنوب شرق آسيا خاصة التجربة الفيتنامية‏.‏ ولكن هذا الكيان لم يكتسب هذا المستوي من الانضباط إلا بعد فترة خاض فيها الحزب حروب تصفية دموية حتى ضد أقرب الناس له مثل تنظيم امل والحزب الشيوعي اللبناني الذي كان أول القوي انطلاقا لفعل المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي‏.‏
وسيبدو أن هذا النموذج المنضبط لم يتكرر كثيرا‏,‏ ولا يكاد يقترب منه سوي حركة حماس الفلسطينية‏.‏

أما علي الجانب المضاد فيتسع لأغلب التجارب العربية للجيوش غير الرسمية‏,‏ وتأتي تجربة التنظيمات الصغيرة في الحركة الإسلامية الجزائرية والتنظيمات الشيعية والسنية في العراق بعد الغزو والاحتلال باعتبارها الأسوأ علي الإطلاق‏.‏ وتلتحق بها طائفة واسعة من التنظيمات الصغيرة التي تبنت الإرهاب منهجا للعمل والحياة في عدد آخر من الدول العربية‏,‏ بعد أن يئست من التنظيمات الكبيرة المعتدلة مثل الإخوان المسلمين أو الأقل تطرفا مثل جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر‏.‏

ما يهمنا هنا ليس تتبع أداء ومستوي انضباط وأخلاقيات تلك الجيوش الصغيرة و الكبيرة غير الرسمية أو ما أسميناه في الأسبوع الماضي العسكرتاريا الشعبية‏,‏ بل منبتها الاجتماعي والظروف وتجارب الحياة التي دفعت لتكونها أصلا‏.‏

القانون العام يمكن وصفه كما يلي‏:‏ حالة تصدع اجتماعي رهيبة تنشأ عن الفقر وظروف التربية الأولي التي تتم عمليا في خارج البيت والعائلة في سياق عام من انحطاط منظومة المعاني والتراجع المخيف في مصداقية نظام القيم السائد بسبب الفساد والقسوة والهزائم الخارجية والبطالة الممتدة مع الفقر وضعف مؤسسات الاستيعاب الاجتماعي نتيجة إخضاعها لسطوة الدولة البوليسية وعزوفها عن القيام بمهمتها في الدفاع عن مصالح الفئات التي تمثلها اسميا علي كل المستويات‏:‏ النقابة‏,‏ والمجالس البلدية والحكومة المركزية كل شيء يفقد مصداقيته فيدفع الأطفال والشباب للانجذاب التلقائي لمنظمات سياسية وعسكرية تمنحهم الوظيفة والمال أولا‏,‏ والمعني وخاصة لو استند علي مرجعية دينية ثانيا وحس الانتماء لجماعة وقضية ثالثا‏.‏

أما الظروف السياسية والاجتماعية الكلية التي تقود إلي هذا كله فقد تختلف اختلافات كبيرة‏.‏

حالة العراق نشأت في سياق قسوة خارقة لقائد ورئيس كان علي استعداد لذبح آلاف الناس بمن فيهم أساتذته ومن سانده حتى وصل إلي القمة‏,‏ وحرب ضروس استمرت ثماني سنوات لم تلبث أن انتهت بأعجوبة حتى لحقت بها حرب ثانية أشد دمارا لبنية الدولة والاقتصاد‏.‏ ساد مناخ من الإعتام واليأس ارتبط بفقدان الأهل في الحروب وتصدع العائلة والحي والقرية بتأثير شدة الفقر والحاجة والوضع الأخلاقي العام في المجتمع كمحصلة لهذا كله‏,‏ في البداية قادت هذه الظروف إلي شيوع الجريمة العادية والسرقة‏,‏ ثم إلي شيوع التنظيمات السياسية الطائفية التي نمت نموا مذهلا وسريعا بعد الغزو وبروز البعد الوطني والديني والطائفي باعتباره الأساس الوحيد الممكن عمليا للحركة السياسية والأداء العسكري‏.‏

الجزائر حالة تبدو أكثر اتساقا مع النموذج العربي العام‏,‏ تجارب وطنية واجتماعية ثورية بدت ناجحة ورصينة في البداية‏,‏ كان بعضها مرشحا للنجاح لولا السلبيات الداخلية‏.‏ والانقلابات في السياسات الدولية‏.‏ اعتمدت هذه التجارب علي أجهزة بيروقراطية محدودة أو متوسطة الكفاءة‏,‏ فشل في تنظيم المجتمع وتعبئته بصورة حرة وأصيلة‏,‏ توظيف الأجهزة الأمنية وإطلاق يدها لا في ملاحقة الأعداء والخصوم وحدهم بل كل النشطاء السياسيين والاجتماعيين‏,‏ واستيلاء الدولة علي جميع تنظيمات المجتمع المدني وإفقادها مصداقيتها‏,‏ ثم أزمة مالية طاحنة لأسباب شتي‏,‏ ومع وفاة الزعيم المؤسس يأتي إلي الحكم أضعف زملائه ليحدث فجوة إضافية في مصداقية الدولة التي تتضخم أجهزتها الأمنية‏.‏ ثم يبدأ التحول من السياسات الاجتماعية التقدمية باسم الإصلاح الاقتصادي الي سياسات انفتاح اقتصادي عشوائي يسبب تصدعا لبنية الاقتصاد التي تأسست في الماضي‏.‏ فتتراجع الصناعة‏,‏ والزراعة وينمو بصورة خارقة وصاروخية‏,‏ وينطلق التضخم السعري ليسبب تراجعا إضافيا كبيرا في مستويات المعيشة‏,‏ وتتسارع حركة الهجرة إلي المدن وخاصة مع تسارع استخدام الآلات والمعدات في الزراعة وتوقف التوسع في الأراضي المنزرعة وتركز الخدمات والاستثمارات في العاصمة وتراجع كفاءة نظم التعليم والصحة و الخدمات العامة الأخرى‏,‏ لا يبدو أن سياسات الانفتاح والانتقال الي قوى السوق تحقق نجاحا يذكر‏,‏ في الوقت الذي تتوقف فيه الدولة عن أداء دورها التنموي ويتضخم الفساد بصورة سرطانية‏.‏ ويبدأ الفقر في الضرب بشدة في صلابة التنظيم الاجتماعي بما فيه العائلة ليفضي الي تصدع اجتماعي وترهل سياسي مخيف فيخيم علي المجتمع شعور طاغ بالاغتراب وفقدان المعني والمصداقية مع انعدام العدالة والتخلص من بقايا التخطيط وصعود أرقام البطالة أحيانا وسط غني فاحش‏.‏

في هذا النموذج العام أكثر العوامل الهدامة تأثيرا في دفع الشباب والأطفال الي الارتماء في أحضان جيوش غير نظامية تتحرك علي ضوء مرجعية دينية تبسيطية أو بأية مرجعية أخري هو عشوائية الانتقال إلي الرأسمالية بدون إعداد مسبق وكاف للاقتصاد والمجتمع في نفس الوقت الذي تسود فيه عملية العولمة الاقتصادية الرأسمالية‏.‏ تتعمد القوي الاجتماعية التي دفعت لتسريع الانتقال الرأسمالي الزج في الاقتصاد إلي غابة الاقتصاد العالمي لتحقيق مكاسب خاصة عبر الوكالات والسمسرة والفساد بكل صوره‏,‏ ونفس هذه القوي تدفع أيضا إلي تسويات سياسية غير عادلة تسود منطق الانهزامية الوطنية والقومية في الحالات التي يبدو فيها العدو بالغ الشراسة والعنف‏.‏

يتم بذلك تدمير نظم المعاني التي تربي عليها الناس لعقود‏.‏ وفي سياقات تقود إلي مزيد من الفقر والتهميش وانحطاط القيم‏..‏ فتأتي الجيوش الشعبية لتسترد لشبابهم التائه والضائع بعض الانسجام النفسي وتسد حاجتهم للوظيفة والمال والشعور بالقيمة والكرامة‏..‏ حتي ولو عن طريق عنف أسود وجنوني وفاقد لأي مستقبل سياسي أو اجتماعي‏ من يهمه المستقبل في حالات كهذه يصبح أقلية تعض علي العقل بالنواجذ عندما يبقي شيء منه‏,‏ ويصبح الضحايا جلادين والعكس‏.‏

ينتقم التاريخ من العشوائية في تفكير وسياسات الطبقة السائدة وإن كان من يدفع الثمن هو المجتمع كله‏.‏

12/10/2009







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية